أحمد بن محمود السيواسي
52
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
قيل : « حق لميزان يوضع فيه الحق أن يكون ثقيلا ، وحق لميزان يوضع فيه الباطل أن يكون خفيفا » « 1 » . [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 10 ] وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ ( 10 ) قوله ( وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ ) تذكير لهم النعم ليشكروا ربها ولا يكفروا به ، أي أقدرناكم فيها بالتصرف وملكناكم « 2 » ( وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ ) أي ما تعيشون به من الرزق أو ما يتوصل به كالزروع والضروع ، والياء بعد الألف لا تهمز فيها ، لأنها أصلية من المعيشة ، أصلها معيشة ، مفعلة من العيش ، فأعلت تبعا لإعلال فعلها ، وهو يعيش ، ثم وبخهم بقوله ( قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ ) [ 10 ] أي لا تشركون رب هذه النعم « 3 » . [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 11 ] وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ( 11 ) ( وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ) أي خلقنا آدم من تراب وإياكم من نطفته نسلا بعد نسل ، ثم صورنا آدم في الأرض وصورناكم في أرحام الأمهات أو يوم الميثاق من ظهره أو خلقنا أباكم آدم طينا غير مصور ، صورناه بعد ذلك ، وجمع تعظيما له « 4 » ، ويوضح هذا التأويل قوله ( ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ ) سجدة التحية وللّه سجدة العبادة ، ف « ثُمَّ » على هذا للتراخي في الزمان وعلى المعنى الأول بمعنى « 5 » الواو ( فَسَجَدُوا ) لآدم ( إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ) [ 11 ] أي لم يسجد مع الملائكة لآدم كبرا وحسدا . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 12 إلى 13 ] قالَ ما مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ( 12 ) قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ ( 13 ) ( قالَ ) اللّه توبيخا بالاستفهام لإبليس وإظهارا لما أضمره في نفسه من الكبر والحسد ( ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ ) أي أي شيء منعك من السجود يا إبليس ، ف « لا » زائدة لتوكيد معنى الفعل الذي تدخل عليه ، والغرض هنا إظهار وجوب السجود بصورة النفي ( إِذْ أَمَرْتُكَ ) أي وقت أمري لك بالسجود لآدم ، وفيه دليل على أن الأمر للوجوب وللفور ( قالَ ) إبليس منبها على فضله من أول الأمر ، وقد كان جوابه أن يقول منعني كذا ( أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ ) أي أفضل منه مرتبة ، ثم بين وجه الفضل على زعمه فقال ( خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ) [ 12 ] فأخطأ اللعين لمخالفة الأمر والاعتقاد بأن السجود لآدم حسب والاشتغال بالقياس في موضع النص ، ولم يعلم بأن القياس في موضع النص باطل ، ولأنه فضل النار على الطين ولم يعلم بأن الفضل لما فضله اللّه ، قيل : إن الخطأ إذا احتج له صار عمد « 6 » والذي يدل على فساد قياسه أنه لم يجب بل طرد بالإهانة بأن ( قالَ ) تعالى له ( فَاهْبِطْ ) أي انزل ( مِنْها ) أي من الجنة لكونها للمطيعين ( فَما يَكُونُ ) أي ما ينبغي أو ما يصح ( لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها ) أي تتعظم في الجنة على بني آدم ( فَاخْرُجْ ) أي أبعد منها ( إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ ) [ 13 ] أي الذليلين لتكبرك وإبائك من السجود ، يقال صغر فلان صغرا إذا ذل . [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 14 ] قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ( 14 ) ( قالَ ) إبليس طالبا لاستيفاء حظه من الدنيا آيسا من نعيم الآخرة ( أَنْظِرْنِي ) أي أمهلني لا تمتني ( إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) [ 14 ] أي إلى أن يخرج الناس من قبورهم وهو النفخة الأخيرة ، قال ابن عباس رضي اللّه : « أراد اللعين أن لا يذوق الموت » « 7 » ، إذ لا موت بعدها فأبى اللّه تعالى ذلك عليه .
--> ( 1 ) عن الحسن ، انظر الكشاف ، 2 / 99 - 100 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 2 / 453 . ( 2 ) وملكناكم ، ب : مكناكم ، س م ؛ وانظر أيضا السمرقندي ، 1 / 532 ؛ والبغوي ، 2 / 453 ؛ والكشاف ، 2 / 100 . ( 3 ) النعم ، ب م : النعمة ، س . ( 4 ) وجمع تعظيما له ، ب : وجمع تعظيما ، س ، - م . ( 5 ) بمعنى ، ب س : ثم المعنى ، م . ( 6 ) ولم أجد له أصلا في المصادر التي راجعتها . ( 7 ) انظر السمرقندي ، 1 / 533 .